"مانداااااااااا"
كان يوسف
يسير على الرصيف المقابل لرصيف البنايات، و فجأه ركضت نحوه كلبة مدام فاتن، لم يدر
يوسف متى كان على وفاق مع تلك الكلبة فهو لا يحب الكلاب مطلقا، و خاصة تلك الكلبة
العجوز و لكن الطريقة التي كانت تركض بيها "ماندا" نحوه لم تبد
كهجوم بل العكس تماما، و لم تكن تلك المشكله انما كانت المشكله ان "ماندا"
كانت تركض مباشرةً امام السيارات العابره.
لم يكن يوسف
بطلا بأي شكل من الاشكال و مع وجود مجرد كلبة في خطر فان يوسف لم يكن ليفعل ما
فعله في جزء من الثانية، و لكن يوسف نظر مباشرة في عين مدام فاتن ووجد ذعرا اثاره
و جعله يتهور و يقد على انقاذ "ماندا"
"حاااااااااااسب"
انطلق يوسف بتلك الكلمة نحو "ماندا" لكي ينتشلها من امام
السياره، و في الوقت المناسب وصل يوسف الى "ماندا" و رفعها من على
الأرض، و تمكن السائق من مفاداتهما
"سابين
كلابكوا تجري في الشوارع يا متخلفين يا ولاد ال...."
لم يستطع
يوسف ان يسمع بقية الجمله حيث ان السائق لم يتوقف و لكنه صرخ فيه من نافذة سيارته
و لكنه خمن باقي السباب
نظر يوسف نحو
مادم فاتن التي كانت قد قامت من مقعدها و اخذت عصاها و اتجهت نحوهم بأسرع ما
تستطيع و الذي لم يكن سريعا على الاطلاق
"يا ربي
انتوا كويسين، ايه الي حصل حد اتعور"
قال يوسف و
هو يضع ماندا على الأرض مره أخرى "لأ لأ يا مدام فاتن متقلقيش احنا
كويسين"
انحنت مدام
فاتن ببطئ لمحاولة رؤية ماندا عن قرب "ايه الي خلاكي تجري كده بس يا ماندا
كان كويس لو كنتي اتخبطي ولا جرالك حاجه كنت هاعمل ايه ولا هلاقي مين ودينا أي
مستوصف"
استغرب يوسف
من لفظة "مستوصف" تلك مما اكد له ان مدام فاتن حتما في المائه من العمر
و لكنه لم يعلق
"انا
متشكره اوي يا حبيبي، انا مش عارفه اشكرك ازاي، مش عارفه كنت هاعمل ايه لو كنت
خسرت ماندا زي ما خسرت رأفت" نظر يوسف الى مدام فاتن ووجد حزنا عميقا في
عيناها الزرقاء التي لم يلحظها يوسف قبل تلك اللحظه، "انا عارفه هاشكرك ازاي تعالى
تعالى جوه عندي رز بلبن يجنن طول عمرهم كانوا يجوا ياكلوا الرز بلبن من عندي، رأفت
كان بيحبه اوي، و كان بياكله حتى و هو عنده السكر" ضحكت مدام فاتن على كلامها
و همت بالدخول
"ا..انا
، انا معملتش حاجه يا مدام و الله مفيش داعي اتعبك"
"يا
حبيبي تتعبني ايه ده انت هاتخدمني، على الأقل اللاقي حد ياكل معايا و يونسني شويه،
تعالى تعالى ، تعالي يا مناندا ادخلي"
________________________________________________________
لم يستطع
يوسف ان يرفض طلب مدام فاتن ، هو شخصيا لم يتصور ان تكون مدام فاتن بتلك الطيبه
فهاهي تدعو غريبا الى بيتها في ليلة من ليالي ديسمبر، فقط لأنه انقذ كلبتها و كذلك
فان قول مدام فاتن بانه سوف يفعل لها خدمه حرك شيئا في نفسه لم يدر ما هو
"ادخل
يا حبيبي متخافش"
دخل يوسف
وراء ماندا البيت كان في الطابق الأرضي بداهةً، كان بيت هادئ ، دافئ و اثاثه بسيط
و لكنه راقي ، كان يحوي لوحات فنيه من الطراز الذي يراه في المزادات، وقف يوسف
يدقق في احدى اللوحات التي تصور حصانا يركض مخلفا وراءه جماعته التي تركض سويا
"ايه يا
حبيبي عجباك اللوحه دين ده رأفت جبهالي سنه 1974 من مزاد في اسكندريه"
"اه
عجباني جميله اوي اصلي بحب الحصنه جدا"
"خد يا
حبيبي ،اقعد متتكسفش"
اخذ يوسف طبق
الأرز بالبن مدام فاتن و جلس، اقتربت منه ماندا و جلست بجانب اقدامه مستكينه
"انا
معرفتش اسمك يا حبيبي، مع انك عارف اسمي"
"انا
يوسف العربي جارك في عماره 34"
بدا على مدام
فاتن التركيز لبرهه ، ثم قالت "ااه، معلش يابني انا كنت باشوفك معدي كل يوم
بس انت عارف بقا السن و احكامه" ضحكت مدام فاتن و ابتسم لها يوسف
"جميل
اوي الرز بلبن ده عند حضرتك حق انا عمري ما دقته بالجمال ده انا متشكر جدا"
"العفو
يا حبيبي دي اقل حاجه، عارف رأفت جوزي، كنت باعملهوله على طول، الرز باللبن ده هو
الي جنن رأفت بيا عملته مره اما كان بيزورنا قبل الجواز و من ساعة ما داقه و هو
حلف ما هو سايبني ابدا" سكتت مادم فاتن لبرهه ثم أكملت "بس اهو سابني
اهوه، مش باختياره اه، بس اهو بردو سابني"نظرت مدام فاتن الى الأرض في اسى و
لكنها تمالكت نفسها و نظرت الى يوسف مره اخرى "هو الي كان جايبلي ماندا،
جابهالي من يجي 12 سنه او يمكن 11 بأمانه مش فاكره، كان بيحبها اوي و قالي اخد
بالي منها قبل ما يموت" نظرت مدام فاتن الى ماندا بحنان فقامت ماندا من
مكانها بجانب يوسف الى مدام فاتن
وجد يوسف
ضميره يؤنبه ، لطالما تمنى ان ترحل مدام فاتن و كلبتها المزعجه عن منطقة سكنهم و
لطالما نظر يوسف الى مدام فاتن نظره ماذا تفعل تلك المرأه اما بيتها فلتدخل منزلها
و تسكت كلبتها فلا احد يستطيع تحمل هذا النباح المزعج طوال الوقت، و لكن الان بعد ان رأى مدام فاتن و ماندا سويا
تنمى الا تموت ماندا ابدا و الا ترحل مدام فاتن عن حيهم ، فكيف سيستطيع ان يعيش من
دون نباح ماندا الان.
لم يدرك يوسف نفسه الا وهو يقول "انا آسف، انا آسف اوي يا مدام
فاتن"
"آسف على ايه بس يا حبيبي، انا لو قعدت اقولك انت خدمتني قد ايه
النهارده مش هاقدر اوفي بأمانه"
"هو حضرتك عايشه هنا من قد ايه"
"من قريب من خمس سنين، اصل بعد ما رافت مات، سيبت بيتنا الي في
الضاهر، و جيت هنا، بيني و بينك مقدرتش استحمل اقعد في البيت من غيره ، لما تعيش
مع حد 40 سنه، صعب اوي انك تعيش منغيره ، مابالك في نفس البيت، بعد ما رافت مات
قفلت البيت و جيت أعيش هنا، حتى مهانش عليا ابيع البيت"
"هو حضرتك معندكيش أولاد"
"لا يا حبيبي عندي ، عندي رؤوف و مريم، بس اهو كل حد فيهم اتجوز و
سافر و اهم مشغولين بحياتهم و أولادهم بيحجوا يزوروني من السنه للسنه لما بيفتكروا
، و ساعات بيكلموني في التلفون بردو"
لم يستطع يوسف الا ان يشعر بالغضب تجاه مريم و رؤوف هؤلاء ، كيف يجرؤن كيف
يكون عندهم ام مثل مدام فاتن ولا يقبلوا الأرض تحت اقدامها كل صباح، و لكنه تمالك
نفسه و نظر الى ساعته و ادرك انه تأخر كثيرا و ان يسرا لابد ان تكون في انتظاره
الان
"انا متشكر اوي يا مدام فاتن على الرز الجميل ده، انا كده هاجيلك كل
يوم اكل منه ده ادمان"
ابتسمت مدام فاتن و بدارت "يا حبيبي انت تنور، دي حتى ماندا بتحبك
اهيه"
رافقت مدام فاتن يوسف الى باب البنايه بالرغم من إصرار يوسف على معرفته
بالطريق
خرج يوسف يوسف الى طريق بنايته التي لا تبعد عن عبناية مدام فاتن و هو عاقد
العزم على انه سيمر عليها كل يوم و يرى ان كانت تحتاج الى أي شيء، و بدا هذا من
وجهة نظره تكفيرا عن ما كان يظنه بها في الأربع سنوات المنصرمه.
___________________________________________________________
وصل يوسف بنايته و بات يركض الى ان وصل الى باب شقته و اولج المفاتح بها،
كالعاده وجد يسرا في انتظاره
"مش معقوله يا جو كل يوم هاست..."
"مش هاتصدقي الي حصلي النهارده ابداااااا"
قالت يسرا و هي ترى علامات البهجه على وجه يوسف "ايه خير"
"بصي انا لازم الأول ادخل اخد دش لحسن ماندا نطت عليها، و لو عندنا
رمل هاتولي"
قالها يوسف و انطلق في نوبه من الضحك
قالت يسرا باستغراب "ماندا، ماندا مين، انت مين و عملت ايه
اخويا"
ظل يوسف يضحك و لكنه تمكن من التمتمه بجمله مفيده " هاقولك هاقولك على
كل حاجه بس انتي اصبري ماما لو عرفت مين ماندا هاتطلعني برا البيت"
تركها يوسف و توجه الى الحمام ، "جو استنا طب قولي عنوان حتى أي حاجه
يا جووووو"
نظر لها يوسف و قال "سماعاتي باظت" و ابتسم و اغلق باب الحمام
وراءه
سند يوسف ظهره على باب الحمام و جمله واحده تتردد في عقله
"ما بين طرفة عين و انتباهتها ، يغير الله من حال الى حال"
________________________________________________
No comments:
Post a Comment