Monday, January 28, 2013

مدام فاتن


"مانداااااااااا"
كان يوسف يسير على الرصيف المقابل لرصيف البنايات، و فجأه ركضت نحوه كلبة مدام فاتن، لم يدر يوسف متى كان على وفاق مع تلك الكلبة فهو لا يحب الكلاب مطلقا، و خاصة تلك الكلبة العجوز و لكن الطريقة التي كانت تركض بيها "ماندا" نحوه لم تبد كهجوم بل العكس تماما، و لم تكن تلك المشكله انما كانت المشكله ان "ماندا" كانت تركض مباشرةً امام السيارات العابره.
لم يكن يوسف بطلا بأي شكل من الاشكال و مع وجود مجرد كلبة في خطر فان يوسف لم يكن ليفعل ما فعله في جزء من الثانية، و لكن يوسف نظر مباشرة في عين مدام فاتن ووجد ذعرا اثاره و جعله يتهور و يقد على انقاذ "ماندا"
"حاااااااااااسب" انطلق يوسف بتلك الكلمة نحو "ماندا" لكي ينتشلها من امام السياره، و في الوقت المناسب وصل يوسف الى "ماندا" و رفعها من على الأرض، و تمكن السائق من مفاداتهما
"سابين كلابكوا تجري في الشوارع يا متخلفين يا ولاد ال...."
لم يستطع يوسف ان يسمع بقية الجمله حيث ان السائق لم يتوقف و لكنه صرخ فيه من نافذة سيارته و لكنه خمن باقي السباب
نظر يوسف نحو مادم فاتن التي كانت قد قامت من مقعدها و اخذت عصاها و اتجهت نحوهم بأسرع ما تستطيع و الذي لم يكن سريعا على الاطلاق
"يا ربي انتوا كويسين، ايه الي حصل حد اتعور"
قال يوسف و هو يضع ماندا على الأرض مره أخرى "لأ لأ يا مدام فاتن متقلقيش احنا كويسين"
انحنت مدام فاتن ببطئ لمحاولة رؤية ماندا عن قرب "ايه الي خلاكي تجري كده بس يا ماندا كان كويس لو كنتي اتخبطي ولا جرالك حاجه كنت هاعمل ايه ولا هلاقي مين ودينا أي مستوصف"
استغرب يوسف من لفظة "مستوصف" تلك مما اكد له ان مدام فاتن حتما في المائه من العمر و لكنه لم يعلق
"انا متشكره اوي يا حبيبي، انا مش عارفه اشكرك ازاي، مش عارفه كنت هاعمل ايه لو كنت خسرت ماندا زي ما خسرت رأفت" نظر يوسف الى مدام فاتن ووجد حزنا عميقا في عيناها الزرقاء التي لم يلحظها يوسف قبل تلك اللحظه، "انا عارفه هاشكرك ازاي تعالى تعالى جوه عندي رز بلبن يجنن طول عمرهم كانوا يجوا ياكلوا الرز بلبن من عندي، رأفت كان بيحبه اوي، و كان بياكله حتى و هو عنده السكر" ضحكت مدام فاتن على كلامها و همت بالدخول
"ا..انا ، انا معملتش حاجه يا مدام و الله مفيش داعي اتعبك"
"يا حبيبي تتعبني ايه ده انت هاتخدمني، على الأقل اللاقي حد ياكل معايا و يونسني شويه، تعالى تعالى ، تعالي يا مناندا ادخلي"
________________________________________________________
لم يستطع يوسف ان يرفض طلب مدام فاتن ، هو شخصيا لم يتصور ان تكون مدام فاتن بتلك الطيبه فهاهي تدعو غريبا الى بيتها في ليلة من ليالي ديسمبر، فقط لأنه انقذ كلبتها و كذلك فان قول مدام فاتن بانه سوف يفعل لها خدمه حرك شيئا في نفسه لم يدر ما هو
"ادخل يا حبيبي متخافش"
دخل يوسف وراء ماندا البيت كان في الطابق الأرضي بداهةً، كان بيت هادئ ، دافئ و اثاثه بسيط و لكنه راقي ، كان يحوي لوحات فنيه من الطراز الذي يراه في المزادات، وقف يوسف يدقق في احدى اللوحات التي تصور حصانا يركض مخلفا وراءه جماعته التي تركض سويا
"ايه يا حبيبي عجباك اللوحه دين ده رأفت جبهالي سنه 1974 من مزاد في اسكندريه"
"اه عجباني جميله اوي اصلي بحب الحصنه جدا"
"خد يا حبيبي ،اقعد متتكسفش"
اخذ يوسف طبق الأرز بالبن مدام فاتن و جلس، اقتربت منه ماندا و جلست بجانب اقدامه مستكينه
"انا معرفتش اسمك يا حبيبي، مع انك عارف اسمي"
"انا يوسف العربي جارك في عماره 34"
بدا على مدام فاتن التركيز لبرهه ، ثم قالت "ااه، معلش يابني انا كنت باشوفك معدي كل يوم بس انت عارف بقا السن و احكامه" ضحكت مدام فاتن و ابتسم لها يوسف
"جميل اوي الرز بلبن ده عند حضرتك حق انا عمري ما دقته بالجمال ده انا متشكر جدا"
"العفو يا حبيبي دي اقل حاجه، عارف رأفت جوزي، كنت باعملهوله على طول، الرز باللبن ده هو الي جنن رأفت بيا عملته مره اما كان بيزورنا قبل الجواز و من ساعة ما داقه و هو حلف ما هو سايبني ابدا" سكتت مادم فاتن لبرهه ثم أكملت "بس اهو سابني اهوه، مش باختياره اه، بس اهو بردو سابني"نظرت مدام فاتن الى الأرض في اسى و لكنها تمالكت نفسها و نظرت الى يوسف مره اخرى "هو الي كان جايبلي ماندا، جابهالي من يجي 12 سنه او يمكن 11 بأمانه مش فاكره، كان بيحبها اوي و قالي اخد بالي منها قبل ما يموت" نظرت مدام فاتن الى ماندا بحنان فقامت ماندا من مكانها بجانب يوسف الى مدام فاتن
وجد يوسف ضميره يؤنبه ، لطالما تمنى ان ترحل مدام فاتن و كلبتها المزعجه عن منطقة سكنهم و لطالما نظر يوسف الى مدام فاتن نظره ماذا تفعل تلك المرأه اما بيتها فلتدخل منزلها و تسكت كلبتها فلا احد يستطيع تحمل هذا النباح المزعج طوال الوقت، و لكن الان بعد ان رأى مدام فاتن و ماندا سويا تنمى الا تموت ماندا ابدا و الا ترحل مدام فاتن عن حيهم ، فكيف سيستطيع ان يعيش من دون نباح ماندا الان.
لم يدرك يوسف نفسه الا وهو يقول "انا آسف، انا آسف اوي يا مدام فاتن"
"آسف على ايه بس يا حبيبي، انا لو قعدت اقولك انت خدمتني قد ايه النهارده مش هاقدر اوفي بأمانه"
"هو حضرتك عايشه هنا من قد ايه"
"من قريب من خمس سنين، اصل بعد ما رافت مات، سيبت بيتنا الي في الضاهر، و جيت هنا، بيني و بينك مقدرتش استحمل اقعد في البيت من غيره ، لما تعيش مع حد 40 سنه، صعب اوي انك تعيش منغيره ، مابالك في نفس البيت، بعد ما رافت مات قفلت البيت و جيت أعيش هنا، حتى مهانش عليا ابيع البيت"
"هو حضرتك معندكيش أولاد"
"لا يا حبيبي عندي ، عندي رؤوف و مريم، بس اهو كل حد فيهم اتجوز و سافر و اهم مشغولين بحياتهم و أولادهم بيحجوا يزوروني من السنه للسنه لما بيفتكروا ، و ساعات بيكلموني في التلفون بردو"
لم يستطع يوسف الا ان يشعر بالغضب تجاه مريم و رؤوف هؤلاء ، كيف يجرؤن كيف يكون عندهم ام مثل مدام فاتن ولا يقبلوا الأرض تحت اقدامها كل صباح، و لكنه تمالك نفسه و نظر الى ساعته و ادرك انه تأخر كثيرا و ان يسرا لابد ان تكون في انتظاره الان
"انا متشكر اوي يا مدام فاتن على الرز الجميل ده، انا كده هاجيلك كل يوم اكل منه ده ادمان"
ابتسمت مدام فاتن و بدارت "يا حبيبي انت تنور، دي حتى ماندا بتحبك اهيه"
رافقت مدام فاتن يوسف الى باب البنايه بالرغم من إصرار يوسف على معرفته بالطريق
خرج يوسف يوسف الى طريق بنايته التي لا تبعد عن عبناية مدام فاتن و هو عاقد العزم على انه سيمر عليها كل يوم و يرى ان كانت تحتاج الى أي شيء، و بدا هذا من وجهة نظره تكفيرا عن ما كان يظنه بها في الأربع سنوات المنصرمه.
___________________________________________________________
وصل يوسف بنايته و بات يركض الى ان وصل الى باب شقته و اولج المفاتح بها، كالعاده وجد يسرا في انتظاره
"مش معقوله يا جو كل يوم هاست..."
"مش هاتصدقي الي حصلي النهارده ابداااااا"
قالت يسرا و هي ترى علامات البهجه على وجه يوسف "ايه خير"
"بصي انا لازم الأول ادخل اخد دش لحسن ماندا نطت عليها، و لو عندنا رمل هاتولي"
قالها يوسف و انطلق في نوبه من الضحك
قالت يسرا باستغراب "ماندا، ماندا مين، انت مين و عملت ايه اخويا"
ظل يوسف يضحك و لكنه تمكن من التمتمه بجمله مفيده " هاقولك هاقولك على كل حاجه بس انتي اصبري ماما لو عرفت مين ماندا هاتطلعني برا البيت"
تركها يوسف و توجه الى الحمام ، "جو استنا طب قولي عنوان حتى أي حاجه يا جووووو"
نظر لها يوسف و قال "سماعاتي باظت" و ابتسم و اغلق باب الحمام وراءه
سند يوسف ظهره على باب الحمام و جمله واحده تتردد في عقله
"ما بين طرفة عين و انتباهتها ، يغير الله من حال الى حال"
________________________________________________

معاذ


"بس يا سيدي، ادي الحكومة و أدي عمايلها ، و الله البلد دي ماهتتعدل ابدا"
" أي و الله ، ده مفيش احسن من ان البلد تولع خالص و نبدأ من الأول بقا"
استمع يوسف الى حوار الرجلين وراؤه و اخذ يقول لنفسه `يا ساتر يا رب سياسة، ايه ده بقا يوم ما اركز الاقي ناس عاوزه تولع في البلد، لا يا عم مش لاعب، انا اركز في الشوارع أحسن`
و في اللحظة التالية اذ بيوسف يلحظ احد الأشخاص يجلس بمفرده ، يبدو في سن يوسف و لكنه مفقود في معالم الطريق الذي تقطعه الحافلة و ليس في الاغاني مثل يوسف، تردد يوسف قبل ان يقدم على ما يفكر في فعله و اذ بصوت يسرا يهتف في عقله "دوووس يا جو و متخافش" ، `حتى في الأوتوبيس مش عتقاني يا سفره، خلاص هاقوم اهوه`
نظر يوسف الى الطريق ووجد ان امامه على الأقل ساعة الا الربع حتى يصل الى الكلية، فقام الى مكان الشاب الذي يجلس بمفرده و حاول ترتيب الكلام الذي سيبدأ حديثه به معه
"سلام عليكم معلش ا..انا، انا اصلي قاعد ورايا ناس رغايه عماله تتكلم في السياسة فقلت اغير المكان"
نظر له الشاب و ابتسم و لكنه لم يرد، توتر يوسف و لكنه كان قد عقد عزمه على انه سوف يرجع اليوم ليسرا ب"مغامرات" ، و اقنع نفسه انه يفعل هذا من اجل يسرا
بدأ يوسف محاولة الحديث "انت بتدرس ولا متخرج"                                     
"لا انا في تالته صيدله " ، "ده انت اصغر مني" قالها يوسف و ضحك لكي يكسر الجليد كما يقولون ثم اكمل "انا يوسف رابعه طب اسنان"،
"انا معاذ"
 "اتشرف يا معاذ"
"م..معلش يا يوسف، انا ا..ااصلي، بص انا مبعرفش أتكلم كويس ماشي"
لم يعتقد يوسف انه يوجد مخلوق على وجه الأرض يستطيع ان يتحدث بهذه السرعه، فيوسف كاد الا يفهم المقطع الأخير من جملة معاذ و لكنه لم يرد ان يحرجه بان يطلب منه إعادة الكلام
لم يدر يوسف الا و هو يقول " بس انا مش شايف انك مش بتعرف تتكلم، انت تمام يعني، قصدي ... ، انا اسف اني رخمت عليك مع.." و هم يوسف بالقيام و لكن استوقفه صوت معاذ
"انا اسف يا يوسف، ب..بس، انا اصلي بتلجلج في الكلام لما باتكلم كتير و دي حاجه محرجه ، بس ع..عارف ، انا كده كده احتمال اني اشوفك تاني ضعيف فخلاص مش مشكلة" ضحك معاذ ضحكة مرتبكه ، فعاد يوسف ليستقر بمقعده بجانب معاذ و هو يفكر كيف انه لا يتحدث مع الناس باختياره و تخيل للحظه ان يكون مجبور على عدم الحديث ، لم ترق له الفكره كتيرا لطالما صنف يوسف نفسه بأنه حر الاختيار ففكره الاجبار لا تروق له ابدا و لكن وضع معاذ هذا جعله يفكر كيف انه في نعمه
وجد يوسف معاذ صامت لعله ينتظر يوسف كي يبدا الحديث و للمره الثانيه مع معاذ وجد يوسف نفسه يقول " هو انت بتتلجلج من زمان"
بدا معاذ كمن يريد ان يطلق ساقيه للريح ، في لحظتها احس يوسف بخطؤه فبادر قائلا
"معاذ انا اسف انا اصلي .."
"لالا ولا يهمك، بس اصل محدش قبل كده سألني على ك..كده، كل الي أ..اقوله اني بتلجلج بيسيبني و يمشي، انت ا..ول واح..حدد يسأل"
"بس لو السؤال سخيف متردش عادي و الله ، زي ما انت قلت غالبا مش هانشوف بعض تاني يعني"
"ل..لا ، عادي، بص انا من و انا ص..صغير كده، ر..حت اتعالج بس ، بس العالج مجبش نتيجه يعني ، و بابا و ماما يعني لقوا ان خلاص مش مه.. مش مهم"
سكت يوسف يفكر فيما قاله معاذ و لكن معاذ قاطع أفكاره "بص انا مش عاوز اص اص.. اصعب عليك، انا عالشان كده مبتكلمش، ان الناس تفتكرني غتت ، ا..حسن من انهم يشفقوا عليا"
قالها معاذ بنفاذ صبر و لكن يوسف لم يعطه فرصه " معاذ معاذ ، و الله مقصدش كده خالص انا بس كنت بافكر ، اصل ، بص بصراحه انت اول واحد انا أتكلم معاه ، انا كمنا مبتكلمش مع حد بس ده عالشان انا أصلا في الحقيقه غتت" ضحك يوسف ثم اكمل "بص بصراحه بردو انا حاسس اني اعرفك من زمان انا عمري ما اتكلمت مع حد كده  من اول مره، انا عمري ما رغيت مع حد غير اختي أصلا"
"امال ايه الي خلاك تيجي تتكلم مع..معايا من نفسك"
"اصل سماعاتي باظت"
نظر له معاذ نظره استغراب أرسلت يوسف في نوبه من الضحك
"طب انا معايا سماعات انت موبيلك تخين ولا روفيع لو عاوز تكمل النص ساعه الي، الي باقيه دي يعني"
"لالا انا عاوز أتكلم معاك ، شكل السماعات دي كانت لخماني عن حاجات تانيه"
"ط..طيب ماشي، يعني انت مش مضايق من لجلجتي دي"
"لأ طبعا اضايق ليه يعني"
"انا عمر ما كان عندي اص..اصحاب كانوا بيضايقوا مني و بعد ك..كده بطلت أحاول اتعرف على الناس"
"هما الخسرانين على فكره"
تحدث يوسف مع معاذ بقية الطريق الى كلياتهم المتقاربه في المسافه من بعضها و طوال المحادثه لم يصمت أيا منهم، و حمد يوسف ربه على ما انعم عليه به و كلما وجد معاذ يتوقف في الحديث محرجا مما به تكلم يوسف حتى لا يحسسه باي احراج حكى كلا منهم للاخر عن الكثير من الأشياء ووجد يوسف في معاذ احتمال الصديق الذي لم يحظى به حتى الان و اذ بكلية يوسف تقترب و قد اوشك على النزول بادر قائلا
"معاذ انا خلاص نازل اهوه بقولك ايه اديني نمرتك كده اه و الفيس بتاعك بالمره"
بدا معاذ كمن دهش و لكنه اعطى رقم محموله ليوسف و كتب له بريده الالكتروني
"تمام انا هادور عليك بالميل و هارن عليك دلؤتي سجلني بقا يوسف العربي"
"م..ماشي يا جو، سجلني معاذ ابراهم"
"تمام، اكيد هاشوفك تاني ان شاء الله و متنساش تبقا تقبلني عالفيس، يلا سلام"
"كلية طب اسنان معاك ياسطى" قالها يوسف و انطلق من مقعده الى ان وصل الى الباب و ترجل

"الرجل الغامض بسلامته وصل"
"يا عم قول الرجل الحامض ، انا مش فاهم الواد ده شايف نفسه على ايه"
"بس يا ابني انت و لحسن يسمعكوا و ميرضاش نصور منه المحاضرات تاني"
اقترب يوسف من زملاؤه ، اربع سنوات قضاها يوسف معهم و لكنه لم يستطع ان يصادق أيا منهم لا يدري ان كان العيب منه ام منهم و لكن تجربته مع معاذ منذ قليل اثبتت له انه اذا بادر بالحديث قد يستطيع ان يكتشف أشياء مختلفه في من حوله فبادرهم بالسلام
"ازيكم يا شباب عاملين ايه" قالها يوسف بسلاسه و لكنه قُبل برد فعل عجيب من جانبهم فكأنهم بهتوا، استغرب يوسف من رد الفعل هذا " شباب انتوا شايفيني" لوح يوسف بيده اماهم
" اه اه ، ازيك يا يوسف معلش اصل ، اصلك .. ، ولا يهمك احنا تمام انت عامل ايه"
"اهوه الحمدلله ، في سكاشن اضافيه النهارده ولا حاجه"
"لا مفيش"
"طب الحمدلله ، انا هاروح اجيب نيسكافيه ولا حاجه، حد عاوز حاجه" لم يتلق يوسف رد " لأ ! ، طيب اشوفكم في المحاضره" و تركم يوسف و مضى
"ايه ده ، هو ده يوسف العربي ، فعلا"
"انا باقول كده بردو من امتى بيعبرنا ، سبحان الله يا راجل ، يلا ما علينا سبحان مغير الأحوال"
"يا عم تلاقيه بس عاوز حاجه و لا مزاجه رايق على غير العاده هيرجع زي ما كان بكره متقلقوش"
و انطلقوا الى المحاضره يضحكون
"يوسف انت ماشي"
"اه يا محمود أي خدمات"
"لا كنت عاوز اصور منك المحاضره بتاعة امبارح و النهارده ممكن لو مفيهاش رخامه"
فكر يوسف ان يرفض و لكنه ادرك انه لن يذاكر شيء اليوم فقرر ان يعطى الكشكول لمحمود و يسترجعه منه بالغد
"اشطه خد الكشكول و هاتهولي بكره بس بالله عليك متنساهوش بكره ماشي"
ذهل محمود من رد يوسف و لكن تمالك نفسه و اخذ الكشكول و شكر يوسف
ركب يوسف الحافله في طريق عودته و لكنه هذه المره لم يتحدث مع احد بالرغم من انه ريقما صعد جال بنظره لعله يجد معاذ و لكنه لم يجد جلس يوسف و نظر الى طرقات القاهره في السابعه مساءا  و كأنه ينظر للقاهره لأول مره على امتداد النظر يرى السيارت التي تملئ الشارع بطوله و عرضه و مصابيح السيارات تضيئ بالاحمر و الليل يلف السماء بالاسود وجد ان هذا المشهد يروق له كثيرا مع النافذه التي بجواره ، لم يهتم يوسف بان الطريق مزدحم الويم بل وجد نفسه يريد ان يظل الطريق مزدحم لكي يستطيع ان يرى كل التفاصيل التي كان يفقدها على مدار اربع سنوات، فقلد رأي أشياء كثيره لم يقدر ان يصدق انه كان يجعلها تمر عليه هكذا.
وصل يوسف الى محطته و نزل من الحافله و هو في نفس الحاله من الذهول ينظر حوله بافتتان كيف كان يمر على هذا و لا يعيره اهتمام، و اذ ب "مدام فاتن" من مقعدها امام منزلها على الرصيف الاخر تقول له
"انت تايه يا حبيبي ، قولي انت عاوز مين"
و قبل ان ستطيع يوسف ان يرد عليها وجد كلبة مدام فاتن تركض نحوه و مادم فاتن تصرخ
"ماندااااا"
يتبع

يوسف



"اول عباس ميدان الساعه حد عاوز ميدان الساعه"
تنهد يوسف و أوقف الاغنيه التي كان يستمع اليها مؤقتا حتى ينزل من الحافلة
"ايوه ياسطى ، ميدان الساعه معاك"
قام يوسف من مقعده و نزل من الحافلة مع حفنة النازلين و أعاد تشغيل الأغنية على هاتفه المحمول.
سار يوسف يتمتم بكلمات أغنية من اغنياته المفضلة لهذا الشهر ، سار في نفس الطريق الذي يسلكة كل يوم منذ أربع سنوات، فها هو يوسف طالب طب الاسنان،ذو العشرين عاماً يعود الى منزله في عباس العقاد بعد يوم طويل في اسنان القصر العيني، في سكته الطويلة تلك ، لم يبد يوسف اهتماما بأي تفصيل من تفاصيل المناطق التي يعبر بها في طريق ذهابه أو عودته ، فهو مفقود في أغانيه ال Rock و ال Heavy Metal  او "الطبل و الرزع" كما تسميها والدته، لا يعير من يجلس بجانبه في الحافلة أي اهتمام، لا ينظر الى الناس في الشوارع و الطرقات التي يعبرها، يمر كل يوم على مدام فاتن التي يكاد يجزم انها في المائه من عمرها ، و كلبتها المزعجه التي يعتقد انها تنازع مع كل نباح، يعود الى منزله يسلم على والدته و تحضر له الطعام و تاتي يسرا ، اخته الصغرى لتتحدث معه قليلا ، يسرا اكثر شخص ينتبه إلية يوسف ، فمسؤليتها تقع على عاتقه من دون ان يخبره أحد ، لطالما سهروا سويا يشاهدون فيلما أو يتناقشون في رواية ، او يحكون لبعضهم عما فعلوه في يومهم، في حين ان يوسف لا يجد شيئا يحكيه ليسرا عن يومه، فإن يسرا تجد العديد و العديد من المواقف التي تحكيها ليوسف، حتى ان يوسف يغبطها لوجود أشياء كثيره في حياتها بهذا الشكل.
_______________________________________________________
عندما وصل يوسف و فتح الباب وجد يسرا في انتظاره
"ايه يا جو اتاخرت اوي ليه كده النهارده ، انا كنت هاقوم انام"
"طب قوليلي ازيك الأول يا سفره" قالها يوسف و هو يخلع سترته السوداء
"يووووسف قلتلك متقوليش سفره دي بتعصبني ، اسمي يسرااااا"
"خلاص خلاص يا ياسو متزعليش بهزر معاكي، الله!" قالها يوسف و يجلس بجانب شقيقته " و الله شوارع زفت و الدكتور مرضيش يسيبنا الا 8 بالدقيقه حاجه تقرف"
"خلاص يا جو فاضلك سنة واحده ، الرك و الباقي عليه لسه في أولى ثانوي ، ده تعذيييب"
"يوسف هتاكل دلؤتي ولا هاتقعد ترغي مع اختك ، يلا قوم اغسل ايدك عالشان احطلك الاكل" نادت امه من المطبخ
"يوسف إنجز هاه ، عاوزه ارغي معاك شوية قبل ما ننام ، ده في شوية حاجات حصلت النهارده لازم احكيلك عليها"نادت يسرا وراء يوسف الذي قام يتجه الى الحمام
"طيب يا ياسو، هاخد دش في السريع و اجيلك تاكلي دماغي براحتك" قالها يوسف بمرح
" انا مباكلش دماغك ، انت الي بتكون عاوز تكلمني أصلا ، الله!" تمتمت يسرا
"يا ياسو انا باكون عاوز.." قالها يوسف و هم ان يعود الى يسرا و لكن قاطعه صوت امه
"يوسف يلااا ، مش هنخلص النهارده كده ، انا لو جبت الاكل و انت مش موجود هاشيله"
"حاضر يا ماما حاضر" قالها يوسف و هو ينظر ليسرا شزرا مما ارسل يسرا في نوبه من الضحك
_________________________________________________________
أغلق يوسف باب الحمام وراءه و هو يفكر كم مملة هي حياته في سن العشرين ، حتى يسرا و هي في الخامسة عشرة حياتها اكثر تسلية من هذا، لكم لبث يوسف مهتما بالدراسة و المجموع ثم التقدير بعد ذلك و الامتحانات ، لا توجد في حياته الا قائمة الأغاني التي يجددها كل شهر و كتبة و أفلامه و يسرا ، تلك الأشياء التي يستمتع بيها في حياته منذ 20 سنة، فتح يوسف الماء الساخن لكي يزيل أفكاره عن الحياته الممله التي لا يعلم متى سيستمتع بها ، ان كان سيستمتع بها اطلاقا.
خرج يوسف و امه تضع الطعام على الطاولة "اهو الحمدلله لحقت الاكل"
"ما انت الي رغاي انت و أختك ، انا عارفه اني لو مكنتش هددتك مكنتش هاتقوم من مكانك النهارده" ردت امه
"انا عارف انك مكونتيش هاتشيلي الأكل ، مكنتش هاهون عليكي يا كوكو" قالها يوسف و هو يحتضن امه "طيب يا اخويا متبقاش واثق اوي كده"
"ماما هو بابا مجاش لسه"
"لأ عنده عمليه كبيره و قالي انه هيتأخر النهارده"
"اه طيب اوك، هاه يا سفره قوليلي بقا فيه ايه الي حصل النهارده" قالها يوسف و هو يجلس الى طعامه
"و الله يا يوسف ما هاقولك حاجه لو مابطلت"
"خلاص خلاص ده انتي بت قماصه قولي ، و تعالي كلي معايا انا مش هاكل لوحدي"
بعد ان حكت يسرا عن "مغامراتها" في المدرسة و في طريق عودتها و ضحكت هي و يوسف برهه و سكت يوسف فجأه و ظهر كمن يتأمل
"إيه يا جو سرحت في ايه يا عم"
"لا ولا حاجه يا ياسو انا اصل حياتي ممله اوى ولا بتحصل فيها أي حاجه مش زيك يعني"
"حياتك ممله ! ، ازاي يعني ، يا جو انت الي مبتركزش ، كل حاجه بتحصل حواليك بس انت الي مش بتشوفها ، انت عامل زي الراجل بتاع غدا اجد ما يلهمني" قالتها يسرا و ضحكت
"يا سلام ، و الله يا أخت يسرا منكم نستفيد"
"يلا قوم نام بقا ، انا اتاخرت أساسا بسببك" قالتها يسرا و هي تتجه الى غرفة نومها تاركة يوسف مع التلفاز
"ماشي يا ستي تصبحي على خير"
"و انت من اهل الخير يا يوسف ، و جو، بص حواليك هتلاقي الحياة مليانة قصص كتير و ممكن تيجي تحكيلي مرة من نفسي" ابتسمت له يسرا و دخلت غرفتها تاركة يوسف مع أفكاره لا يشتتها الا صوت التلفاز الخافت
`اركز ، اركز في ايه دي عالم ممله جدا ولا فيهم أي اثارة، قال اركز قال`
قالها يوسف لنفسه و اغلق التلفاز و اتجه الى غرفته.
_______________________________________________
استيقظ يوسف و بدأ روتينه اليومي للاستعداد ليوم الجامعه الطويل و قبل ان يستقل الحافلة نظر الى سماعات هاتفه المحمول بتمعن
`لا طبعا ازاي يعني اركز في ملل الحياة مع الناس الرغاية دي `
و وضع السماعات في اذنه و صعد الى الحافلة و استقر مكانة، و بعد خمسة عشر دقيقه أي اغنيتين من أغاني يوسف بدأ الصوت يخفت ثم اختفى تماما
`يا ربي، ايه ده السماعات باظت، ليه كده دي لسه جديده ، استغفر الله العظيم، هاجيب منين سماعات تانيه انا دلؤتي`
تنهد يوسف و اغلق مشغل الأغاني و نظر حولة
`و الله شكلي هاركز يا يسرا`
و بدأ يوسف يصغي الى الحوار الدائر بجانبة في حافلة
يتبع...