"بس
يا سيدي، ادي الحكومة و أدي عمايلها ، و الله البلد دي ماهتتعدل ابدا"
"
أي و الله ، ده مفيش احسن من ان البلد تولع خالص و نبدأ من الأول بقا"
استمع يوسف الى حوار الرجلين وراؤه و اخذ يقول لنفسه `يا ساتر يا رب سياسة، ايه ده بقا يوم ما اركز
الاقي ناس عاوزه تولع في البلد، لا يا عم مش لاعب، انا اركز في الشوارع أحسن`
و في اللحظة التالية اذ بيوسف يلحظ احد الأشخاص يجلس
بمفرده ، يبدو في سن يوسف و لكنه مفقود في معالم الطريق الذي تقطعه الحافلة و ليس
في الاغاني مثل يوسف، تردد يوسف قبل ان يقدم على ما يفكر في فعله و اذ بصوت يسرا
يهتف في عقله "دوووس يا جو و متخافش" ، `حتى في الأوتوبيس مش عتقاني يا سفره، خلاص
هاقوم اهوه`
نظر يوسف الى الطريق ووجد ان امامه على الأقل ساعة الا
الربع حتى يصل الى الكلية، فقام الى مكان الشاب الذي يجلس بمفرده و حاول ترتيب
الكلام الذي سيبدأ حديثه به معه
"سلام
عليكم معلش ا..انا، انا اصلي قاعد ورايا ناس رغايه عماله تتكلم في السياسة فقلت
اغير المكان"
نظر له الشاب و ابتسم و لكنه لم يرد، توتر يوسف و لكنه
كان قد عقد عزمه على انه سوف يرجع اليوم ليسرا ب"مغامرات" ، و اقنع نفسه
انه يفعل هذا من اجل يسرا
بدأ يوسف محاولة الحديث "انت بتدرس ولا
متخرج"
"لا انا في تالته صيدله " ، "ده انت اصغر
مني" قالها يوسف و ضحك لكي يكسر الجليد كما يقولون ثم اكمل "انا يوسف
رابعه طب اسنان"،
"انا معاذ"
"اتشرف يا
معاذ"
"م..معلش يا يوسف، انا ا..ااصلي، بص انا مبعرفش
أتكلم كويس ماشي"
لم يعتقد يوسف انه يوجد مخلوق على وجه الأرض يستطيع ان
يتحدث بهذه السرعه، فيوسف كاد الا يفهم المقطع الأخير من جملة معاذ و لكنه لم يرد
ان يحرجه بان يطلب منه إعادة الكلام
لم يدر يوسف الا و هو يقول " بس انا مش شايف انك مش
بتعرف تتكلم، انت تمام يعني، قصدي ... ، انا اسف اني رخمت عليك مع.." و هم
يوسف بالقيام و لكن استوقفه صوت معاذ
"انا اسف يا يوسف، ب..بس، انا اصلي بتلجلج في
الكلام لما باتكلم كتير و دي حاجه محرجه ، بس ع..عارف ، انا كده كده احتمال اني
اشوفك تاني ضعيف فخلاص مش مشكلة" ضحك معاذ ضحكة مرتبكه ، فعاد يوسف ليستقر
بمقعده بجانب معاذ و هو يفكر كيف انه لا يتحدث مع الناس باختياره و تخيل للحظه ان
يكون مجبور على عدم الحديث ، لم ترق له الفكره كتيرا لطالما صنف يوسف نفسه بأنه حر
الاختيار ففكره الاجبار لا تروق له ابدا و لكن وضع معاذ هذا جعله يفكر كيف انه في
نعمه
وجد يوسف معاذ صامت لعله ينتظر يوسف كي يبدا الحديث و
للمره الثانيه مع معاذ وجد يوسف نفسه يقول " هو انت بتتلجلج من زمان"
بدا معاذ كمن يريد ان يطلق ساقيه للريح ، في لحظتها احس
يوسف بخطؤه فبادر قائلا
"معاذ انا اسف انا اصلي .."
"لالا ولا يهمك، بس اصل محدش قبل كده سألني على
ك..كده، كل الي أ..اقوله اني بتلجلج بيسيبني و يمشي، انت ا..ول واح..حدد
يسأل"
"بس لو السؤال سخيف متردش عادي و الله ، زي ما انت
قلت غالبا مش هانشوف بعض تاني يعني"
"ل..لا ، عادي، بص انا من و انا ص..صغير كده، ر..حت
اتعالج بس ، بس العالج مجبش نتيجه يعني ، و بابا و ماما يعني لقوا ان خلاص مش مه..
مش مهم"
سكت يوسف يفكر فيما قاله معاذ و لكن معاذ قاطع أفكاره
"بص انا مش عاوز اص اص.. اصعب عليك، انا عالشان كده مبتكلمش، ان الناس
تفتكرني غتت ، ا..حسن من انهم يشفقوا عليا"
قالها معاذ بنفاذ صبر و لكن يوسف لم يعطه فرصه "
معاذ معاذ ، و الله مقصدش كده خالص انا بس كنت بافكر ، اصل ، بص بصراحه انت اول
واحد انا أتكلم معاه ، انا كمنا مبتكلمش مع حد بس ده عالشان انا أصلا في الحقيقه
غتت" ضحك يوسف ثم اكمل "بص بصراحه بردو انا حاسس اني اعرفك من زمان انا
عمري ما اتكلمت مع حد كده من اول مره، انا
عمري ما رغيت مع حد غير اختي أصلا"
"امال ايه الي خلاك تيجي تتكلم مع..معايا من
نفسك"
"اصل سماعاتي باظت"
نظر له معاذ نظره استغراب أرسلت يوسف في نوبه من الضحك
"طب انا معايا سماعات انت موبيلك تخين ولا روفيع لو
عاوز تكمل النص ساعه الي، الي باقيه دي يعني"
"لالا انا عاوز أتكلم معاك ، شكل السماعات دي كانت
لخماني عن حاجات تانيه"
"ط..طيب ماشي، يعني انت مش مضايق من لجلجتي
دي"
"لأ طبعا اضايق ليه يعني"
"انا عمر ما كان عندي اص..اصحاب كانوا بيضايقوا مني
و بعد ك..كده بطلت أحاول اتعرف على الناس"
"هما الخسرانين على فكره"
تحدث يوسف مع معاذ بقية الطريق الى كلياتهم المتقاربه في
المسافه من بعضها و طوال المحادثه لم يصمت أيا منهم، و حمد يوسف ربه على ما انعم
عليه به و كلما وجد معاذ يتوقف في الحديث محرجا مما به تكلم يوسف حتى لا يحسسه باي
احراج حكى كلا منهم للاخر عن الكثير من الأشياء ووجد يوسف في معاذ احتمال الصديق
الذي لم يحظى به حتى الان و اذ بكلية يوسف تقترب و قد اوشك على النزول بادر قائلا
"معاذ انا خلاص نازل اهوه بقولك ايه اديني نمرتك
كده اه و الفيس بتاعك بالمره"
بدا معاذ كمن دهش و لكنه اعطى رقم محموله ليوسف و كتب له
بريده الالكتروني
"تمام انا هادور عليك بالميل و هارن عليك دلؤتي
سجلني بقا يوسف العربي"
"م..ماشي يا جو، سجلني معاذ ابراهم"
"تمام، اكيد هاشوفك تاني ان شاء الله و متنساش تبقا
تقبلني عالفيس، يلا سلام"
"كلية طب اسنان معاك ياسطى" قالها
يوسف و انطلق من مقعده الى ان وصل الى الباب و ترجل
"الرجل الغامض بسلامته وصل"
"يا عم قول الرجل الحامض ، انا مش فاهم الواد ده
شايف نفسه على ايه"
"بس يا ابني انت و لحسن يسمعكوا و ميرضاش نصور منه
المحاضرات تاني"
اقترب يوسف من زملاؤه ، اربع سنوات قضاها يوسف معهم و
لكنه لم يستطع ان يصادق أيا منهم لا يدري ان كان العيب منه ام منهم و لكن تجربته
مع معاذ منذ قليل اثبتت له انه اذا بادر بالحديث قد يستطيع ان يكتشف أشياء مختلفه
في من حوله فبادرهم بالسلام
"ازيكم يا شباب عاملين ايه" قالها يوسف بسلاسه
و لكنه قُبل برد فعل عجيب من جانبهم فكأنهم بهتوا، استغرب يوسف من رد الفعل هذا
" شباب انتوا شايفيني" لوح يوسف بيده اماهم
" اه اه ، ازيك يا يوسف معلش اصل ، اصلك .. ، ولا
يهمك احنا تمام انت عامل ايه"
"اهوه الحمدلله ، في سكاشن اضافيه النهارده ولا
حاجه"
"لا مفيش"
"طب الحمدلله ، انا هاروح اجيب نيسكافيه ولا حاجه،
حد عاوز حاجه" لم يتلق يوسف رد " لأ ! ، طيب اشوفكم في المحاضره" و
تركم يوسف و مضى
"ايه ده ، هو ده يوسف العربي ، فعلا"
"انا باقول كده بردو من امتى بيعبرنا ، سبحان الله
يا راجل ، يلا ما علينا سبحان مغير الأحوال"
"يا عم تلاقيه بس عاوز حاجه و لا مزاجه رايق على
غير العاده هيرجع زي ما كان بكره متقلقوش"
و انطلقوا الى المحاضره يضحكون
"يوسف انت ماشي"
"اه يا محمود أي خدمات"
"لا كنت عاوز اصور منك المحاضره بتاعة امبارح و
النهارده ممكن لو مفيهاش رخامه"
فكر يوسف ان يرفض و لكنه ادرك انه لن يذاكر شيء اليوم
فقرر ان يعطى الكشكول لمحمود و يسترجعه منه بالغد
"اشطه خد الكشكول و هاتهولي بكره بس بالله عليك
متنساهوش بكره ماشي"
ذهل محمود من رد يوسف و لكن تمالك نفسه و اخذ الكشكول و
شكر يوسف
ركب يوسف الحافله في طريق عودته و لكنه هذه المره لم
يتحدث مع احد بالرغم من انه ريقما صعد جال بنظره لعله يجد معاذ و لكنه لم يجد جلس
يوسف و نظر الى طرقات القاهره في السابعه مساءا
و كأنه ينظر للقاهره لأول مره على امتداد النظر يرى السيارت التي تملئ
الشارع بطوله و عرضه و مصابيح السيارات تضيئ بالاحمر و الليل يلف السماء بالاسود
وجد ان هذا المشهد يروق له كثيرا مع النافذه التي بجواره ، لم يهتم يوسف بان
الطريق مزدحم الويم بل وجد نفسه يريد ان يظل الطريق مزدحم لكي يستطيع ان يرى كل
التفاصيل التي كان يفقدها على مدار اربع سنوات، فقلد رأي أشياء كثيره لم يقدر ان
يصدق انه كان يجعلها تمر عليه هكذا.
وصل يوسف الى محطته و نزل من الحافله و هو في نفس الحاله
من الذهول ينظر حوله بافتتان كيف كان يمر على هذا و لا يعيره اهتمام، و اذ ب
"مدام فاتن" من مقعدها امام منزلها على الرصيف الاخر تقول له
"انت تايه يا حبيبي ، قولي انت عاوز مين"
و قبل ان ستطيع يوسف ان يرد عليها وجد كلبة مدام فاتن
تركض نحوه و مادم فاتن تصرخ
"ماندااااا"
يتبع
No comments:
Post a Comment